حسن الأمين
117
مستدركات أعيان الشيعة
جيش الأمير سيف الدولة . . بل وصف بها جيش الروم الكبير الذي هزمه سيف الدولة شر هزيمة في معركة « الحدث الكبرى » عام 343 ه . . والحدث قلعة قديمة على حدود بلاد الشام مع الدولة البيزنطية ، خربها وأحرقها القائد البيزنطي « الدمستق فردس فقاس » سنة 237 ه . فقرر الأمير سيف الدولة في 17 جمادى الثانية من عام 343 ه ، احتلالها وإعادة ترميم حصونها وجدرانها ، كي يجعل منها قاعدة عسكرية متقدمة لقواته ، ويحرم العدو البيزنطي من الاستفادة منها في عملياته الحربية ، وفيما كان سيف الدولة منهمكا مع قادته وجيشه وعماله في بناء حصون القلعة تقدم القائد البيزنطي نحو القلعة بجيش عرمرم من اليونان والبلغار والخزر والصقالبة والروس والأرمن ، زاد عن خمسين ألفا بين فارس وراجل . . . وعند ما وصل الجيش البيزنطي إلى أرض المعركة ، أعطى القائد أوامره بمحاصرة قلعة الحدث . . فتم له هذا . تم حصار الروم لجيش سيف الدولة في أصيل أحد أيام أواخر جمادى الثانية من عام 343 ه ، وكان الأمير سيف الدولة قد علم مسبقا ما ذا سوف يفعل القائد الرومي ، وقد هيا نفسه له ، فقرر أن يخوض معركته المريعة في صباح اليوم التالي . . فأمر وحدات الصدمة الرئيسية في جيشه أن تتهيأ خلال الليل ، وعددها حوالي خمسة عشر ألفا بين فارس وراجل ، بقيادة ابن عمه الأمير أبي فراس الحمداني ومحمد وهبة الله ابني أخي سيف الدولة ، وناصر الدولة أمير مدينة الموصل في تلك المرحلة من التاريخ ، « ونجما » غلام سيف الدولة ، وأبقى الأمير سيف الدولة خمسة آلاف من خيالة البدو الخفيفة بامرته لحسم المعركة في الوقت المناسب . . مع بزوغ أول ضوء في سلخ جمادى الثانية ، تقدم أبو فراس بقوام جيشه وهاجم جيش الروم بعنف وضراوة ، ومن مكان لم يكن يتوقعه القائد البيزنطي ، وهو اتجاه حصن من حصون القلعة يسمى « الأحيدب » . . دارت معركة رهيبة جدا لم يذكر التاريخ لها مثيلا في تلك الحقبة . . أبدى الأمير سيف الدولة حنكة ، وفنا قياديا عالي المستوي ، وتخطيطا مدهشا ، وشجاعة فائقة . . وبعد مرور بضع ساعات على بدء المعركة ، والروم يعتقدون أنهم الغالبون ، وفي الوقت المناسب الذي خطط له الأمير سيف الدولة . . بدأ هجومه السريع بخيالته الخفيفة من فرسان البدو المعروفين بخبراتهم القتالية العالية باتجاه قلب الجيش البيزنطي ، وشق طريقه بهم بين صفوف الجيش المعادي ، ومعه أبو الطيب المتنبي ، حتى وصل إلى مقر قيادة الجيش البيزنطي فلم ير أمامه سوى الفرار والنجاة من سيف الدولة . . ففر بسرعة ، وترك جيشه طعما لسيوف جنود سيف الدولة . . وقبل غروب شمس ذلك اليوم ، كان جيش حلب يسيطر سيطرة كاملة على الموقف ، بعد إبادة جيش الروم بكامله تقريبا ، وقتل في هذه المعركة ابن الدمستق وصهره ، وابن عمه ، وزوج أخته . . وانتشرت جثث عشرات آلاف من القتلى من جيش الروم فوق أرض المعركة . . فأهاج هذا المنظر المريع شاعرية أبي الطيب المتنبي ، فنظم قصيدته التي يصف فيها المعركة ذات المطلع : على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وأنشدها أمام الأمير سيف الدولة ، وجنده المنتصرين ، والعمال العرب يبنون آخر شرفة في قلعة الحدث . . وفي هذه القصيدة يصف أبو الطيب الأمير سيف الدولة أثناء المعركة فيقول : وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم ويصف أبو الطيب جيش الروم ، وليس كما ذكر كاتب المقال جيش سيف الدولة . . فيقول : أتوك يجرون الحديد كأنهم سروا بجياد ما لهن قوائم إذا برقوا لم تعرف البيض منهم ثيابهم من مثلها ، والعمائم خميس بشرق الأرض والغرب زحفه وفي أذن الجوزاء منه زمازم تجمع فيه كل لسن وأمة فما تفهم الحداث الا التراجم قال أبو البقاء العكبري في شرحه للبيت الرابع من هذه الأبيات ما يلي : - المعنى : جعل الروم يبرقون لكثرة ما عليهم من الحديد ، والبريق اللمعان ، يفرق بين سيوفهم وبينهم ، لأن على رؤسهم البيض والمفاخر ، وثيابهم الدروع ، فهم كالسيوف ، وقد فسره بقوله : « من مثلها » . . أي مثل السيوف ، يريد من الحديد وأشار بهذا الوصف ، أعنى كثرة سلاح هذا الجيش إلى قوته ، وبما ذكره عن هذه الهيئة إلى شدته ، وسمعت بعضهم ، وكان شيخا يقرأ عليه الديوان يقول : « أخطا أبو الطيب ، كيف ذكر العمائم ، والعمائم للعرب . . وليست للروم ، فكيف جعلها للروم ؟ » فضحكت من قوله ، وقلت له : الضمير في « مثلها » إلى أين يعود ؟ أليس إلى البيض وهي السيوف ؟ فلم يدر ما قلت . وبذا يتبين لنا أن أبا الطيب المتنبي في الأبيات التي أوردها الكاتب في مقالة ، يصف فيها جيش الروم ، وليس جيش سيف الدولة ، فجيش سيف الدولة كانت وحداته متجانسة تماما - كما قلت سابقا - ويجمع بين الصورة الأولى التي رسمها الكاتب للمحاربين العرب في العصر الجاهلي ، لأن جيش سيف الدولة بمعظمه كان من أفخاذ قبيلة بكر بن وائل ، والصورة الثانية للمحاربين المسلمين الأوائل ، الذين كانوا يقاتلون لهدف سام ، وتادية رسالة عظيمة خالدة هي رسالة الإسلام . . علي بن عبد الله بن العباس جد السفاح والمنصور توفي سنة 114 وقيل 119 وقيل 118 . قال اليافعي : كان سيدا شريفا بليغا ، وكان أصغر أولاد أبيه وأجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه وأكثره صلاة وكان يدعى السجاد لذلك . وروي أنه لما ولد أتى علي بن أبي طالب ع إلى أبيه فهنأه وقال : شكرت الواهب وبورك في الموهوب ، ما سميته ؟ قال : أو يجوز لي أن أسميه حتى تسميه ، فأمر به وأخرج إليه فحنكه ودعا له ثم رده إليه وقال خذ إليك أبا الأملاك ، وقد سميته عليا وكنيته أبا الحسن ) * ، فلما كان زمن ولاية معاوية قال ليس لكم اسمه وكنيته وقد كنيته أبا محمد فجرى عليه ، هكذا قال المبرد . وقال الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء : لما قدم على عبد الملك بن مروان قال له : غير اسمك وكنيتك فلا صبر لي عليهما ، فقال :